يكتبها – محمد مقلد
طوى
محطة الثانوية العامة ، ليجد نفسه أمام محطة جديدة ، تعكس حلمه الذى جسدته كلمات
أغنية المطربة " ليلى جمال " " شئ من بعيد نادانى " ، أنها
قاهرة المعز بكل معالمها التى طالما طاردته فى منامه ويقظته ، فكانت كلية دار
العلوم بجامعة القاهرة على رأس رغباته ببطاقة الترشيح للجامعة ، ليس حباً فيها ،
ولكن سعياً وراء الحلم الذى نبت بداخله فى مرحلة صباه ، وشاهده يتحقق أمامه وهو
بين السحاب يبحث عن ذاته التى تاهت بين واقع مؤلم يقدس المظاهر والأمور الدنيوية
الزائفة.
استيقظ
على صوت أمه للاستعداد للسفر للقاهرة للبحث عن سكن يساعده فى أن يكون قريب من
الجامعة ، وجدا ضالتهما بمنطقة بولاق أبو
العلا ، ليبدأ مشهد واقعى
تم تجسيده فى السينما المصرية بالفيلم الشهير للفنانة تحية كاريوكا " شباب
أمرأه " فصاحبة المنزل سيدة تخطت الأربعين ، ممشوقة القوام ، تتمتع بقدر من
الجمال يواريه طباعها السوقية وملابسها الشبه عارية ، منزلها مكون من طابقين ،
تقطن بشقتها بالطابق الثانى ، والدور الأرضى يضم خمس حجرات منفصلة بحمام مشترك.
بدت
على وجه الأم علامات القلق والخوف أثناء الاتفاق على شروط تأجير إحدى الحجرات
ليقيم فيها ، عينيها التى بدت تتصفح ملامح السيدة تعكس ما بداخلها من خوف ، ولكن
انتصرت الحاجة فى النهاية على خوفها من مصير ابنها وتواجده بمكان واحد مع سيدة
بهذه الصفات ، افتقدت زوجها وتعيش بمفردها ، حصلت صاحبة المنزل على 15 جنيهاً نظير
إيجار الشهر الأول.
نظرات
والدته وهى تودعه تعكس عبارات توسل بأن
ينتبه لنفسه ، ويستعد للتصدى لأى تصرف متوقع من صاحبة المنزل التى تكاد أنوثتها
الغليظة تنفجر من عينيها ، حتى لا يضع قدمة على أول طريق الضياع.
سيدة المنزل رفعت شعار " لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد " فها
هى عقارب الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل ، الطرق على باب حجرته أصابه
بصدمة مرعبة ، فهو غريب لا أحد يعرفه ، وتلك الليلة الأولى التى يقضيها داخل هذا
المنزل المخيف.
سيدة
المنزل : أفتح الباب يا أستاذ.
هو
: صمت كامل وكتم أنفاس.
السيدة
بإصرار : يا أستاذ أفتح الباب.
هو
: استمرار الصمت وكتم الأنفاس ودقات قلب تتصارع وكأنها فى سباق 100 متر عدو.
السيدة
: اظاهر عليك تعبان ونايم ، طيب.
صوت
قدميها اخترق سكون الليل ، وبعث له برسالة طمأنينة بمغادرتها من حيث أتت ، نصف
ساعة فقط ، حتى انتفض من رقدته وارتدى ملابسه ، وحمل حقيبته وترك الحجرة ومقدم
الإيجار ، خطوات بطيئة حتى لا يصطدم بها ،
استفاق وهو فى محطة القطار يستعد للعودة لقريته ، دون أن يسأل نفسه ماذا كانت تريد
منه هذه السيدة فى هذا التوقيت الغريب؟
منزل
جديد بالقرب من محطة مترو الأنفاق ، يمتلكه أحد أقاربه الذى لم يسمع عنه من قبل
ولأول مرة يراه ويتعرف على أفراد عائلته ، أعتقد أن أزمته انتهت بحجرة صغيرة أعلى
أسطح المنزل بجوار جيرانه الجدد المقيمين بعشة طيور صغيرة ، تبخر حلمه سريعاً وأتت
الرياح بما لاتشتهى سفينته ، أنها " ناهد " تحاصره بعينيها وحركاتها
الإغرائية ، ولكن إلى متى سينجح فى مهمته بالتهرب من ملاحقتها بحججها التى لا تنته
، تارة بنشر الغسيل ، وتارة بتقديم الطعام للطيور ، وتارة.. ، وتارة.. ، المهمة
صعبة مع فتاة ملامحها تعكس جمال فائق وأنوثة طاغية رغم صغر سنها ، تربيته الريفية
لا تسمح له بأن يكون مصدر للمتاعب للرجل الذى فتح له بيته ليحل أزمته ، ولديه من
الأخلاق والطباع من المستحيل التخلى عنها تحت أى ظرف ومهما كانت الإغراءات.
القطار أصبح السبيل الوحيد للخروج من أزمته ،
فعليه أن يتحمل أربع ساعات ذهاباً وعودة ليواصل المشقة التى لازمته منذ نعومة
أظافره ، هذه هى حياته التى رسمها له القدر ، قطار يتحول لرفيق دربه ، العشق
بينهما يتزايد ، فما أحلى أن يجلس بجوار النافذة فى طريق العودة مساءً ، شارد الذهن
، عينيه تتأمل مناظر الخضرة ، والمنازل التى حفظها عن ظهر قلب كلما أخترق القطار
مدينة أو مركز خلال رحلته من القاهرة لبلدته والعكس.
انقضى
شهرين فقط من العام الأول لدراسته الجامعية ، فإذا به ينتفض من نومه مع آذان الفجر ،
سكون الليل يفرض سطوته ، يشعر بقبضة حزن تتحكم فى دقات قلبه ، يتوجه مسرعاً حيث
حجرة والدته المريضة ، يرفع عنها الغطاء ليرى نوراً يشع من وجهها ناصع البياض ،
ونسمات تداعب وجهه كأنها رسولاً قادماً من عند الله ، ليهمس فى أذنه " والدتك فى رعاية الله
الآن وسأضطر لاصطحابها معى فقد انتهى دورها فى الحياة " أنها أصعب لحظة ألم
يمر بها ، فقدان أمه وصديقته وحبيبته وكل ما له فى هذه الدنيا.
أين ذهب بصره ؟ لا يرى شيئاً ، ظلام دامس يحاصره ، قطار حياته توقف ، شعور قوى بانتهاء رحلته الدنيوية عند هذه اللحظة الصعبة على قلبه ، حكم قاسى أصدره فى حق نفسه ، بدخول سجن العزلة والانطواء ترافقه دموع لا تتوقف ، وقلب دقاته تعزف لحن حزين يُبكى العيون ، ويزيد من إحساس الألم بفراق أعز ما يملك ، عباراته لا تتغير " وداعاً يا سندى " " وداعاً يا قلبى " " وداعاً يا من تحملتى ما لا يتحمله بشر من أجلى " " وداعاً يا أمى "
كان ما تقدم جزء من
رواية " رجل فوق السحاب "