امبراطورية السعودية ، لقب لم يأت من فراغ ، أو عن طريق المصادفة ، فخلال السنوات الأخيرة ، وبالتحديد بداية من عام 2017 وحتى الآن تمكنت المملكة السعودية من تحقيق قفزة اقتصادية هائلة ، صعدت بها للصفوف الأولى لتزاحم عمالقة الغرب والدول العظمى ، ومكنتها من إحكام قبضتها على خيوط اللعبة السياسية بمنطقة الشرق الأوسط ، وأخذت تتحكم بصورة كبيرة فى مستقبل المنطقة بالكامل.
![]() |
بن سلمان |
صعود سهم السعودية رغم التحديات
تمكنت المملكة العربية السعودية ، خلال الفترة من 2017
حتى 2023 ، من تحقيق طفرة اقتصادية هائلة ، ونجحت رغم التحديات والظروف الصعبة ،
التى واجهت كل دول العالم ، مع ظهور جائحة كورونا ، والحرب الروسية فى أوكرانيا ،
فى أن تضع نفسها على قمة الدول المتقدمة اقتصادياً ، ولم تعتمد السعودية للوصول
لتلك المكانة على النفط فقط ، باعتبارها على رأس الدول المنتجة للنفط ، ولكن
بأفكار قيادتها ، تمكنوا من استغلال كل موارد المملكة ، الممكنة وغير الممكنة
وتحدوا الصعاب ، للوصول بسفينة مملكتهم ، إلى مكانة جعلت دول العالم ، ترفع القبعة
للجهود السعودية فى هذا الشأن
ففى مجال السياحة على سبيل المثال ، استغلت المملكة
السعودية ، السياحة الدينية أفضل استغلال ، فى ظل وجود الكعبة المشرفة والمسجدين
النبوى والشريف ، وهى أماكن اسلامية يقصدها المسلمين من كل دول العالم ، لأداء
مناسك العمرة وفريضة الحج ، واستحدثت بعض القرارات الجديدة ، التى ساهمت فى زيادة
عدد الزائرين لتلك المناطق المقدسة ، منها على سبيل المثال ، أنها سهلت من عملية
الحصول على تأشيرة دخول البلاد ، بعدما جعلتها تأشيرة سنوية إلكترونية ، صلاحيتها
لمدة عام كامل ، مما يسمح لحاملها بزيارة المملكة أكثر من مرة خلال هذا العام ،
وفقاً لمعايير حددتها الحكومة السعودية ، هذا فضلاً عن تخفيف بعض القيود التى كانت
تعرقل عملية الحج أو العمرة ، ولاسيما الخاصة بالسيدات.
ولم تكتفى المملكة السعودية ، بالسياحة الدينية فقط ،
ولكن انفتحت بصورة كبيرة على أنواع عدة من السياحة من بينها ، السياحة العلاجية ،
بإنشاء مستشفيات على أعلى مستوى ، لعلاج بعض الأمراض المستعصية ، وإجراء عمليات
التجميل وخلافه ، واستغلال الطبيعة الجغرافية للمملكة وتواجد أنواع نادرة من الرمال
والصخور والعيون للعلاج من الأمراض المتعلقة بالجلد والروماتيزم وغيرها ، ومنها
بطبيعة الحال العيون الحارة ، التى اشتهرت بها المملكة ، ونجحت أيضاً بجهود
مسئوليها فى استغلال الطبيعة الجغرافية ، والموقع المتميز، حيث تطل أراضيها على
الخليج العربى والبحر الأحمر ، ولديها بعض الظواهر من جبال وهضاب ، ساعدت فى إقامة
مشروعات سياحية عملاقة ، أصبح يقصدها سكان معظم دول العالم ، وللحقيقة أبناء السعودية
أنفسهم ، تعاونوا مع حكومتهم فى انتعاش سوق السياحة ، بعدما فضلوا السياحة
الداخلية ، عن السياحة الخارجية ، حتى يعود ذلك بالنفع على الاقتصاد السعودى.
المملكة السعودية ، اختارت الطريق الأفضل عندما قرر
مسئوليها ، أن تكون النسبة الأكبر للطفرة الاقتصادية ، بعيدة عن النفط ، لاستغلال
النفط فى التصدير وإنعاش الاقتصاد السعودى بصورة أكبر ، وخلال السنوات القليلة
الماضية ، تمكنت السعودية ، من اقتحام المجال الصناعى ، وأقامت عدد من المصانع
العملاقة ، بداية من الغاز والنفط ، ومروراً بالصناعات الثقيلة والعسكرية وصناعة
الأجهزة والسيارات ، ونجحت فى جذب استثمارات ضخمة داخل أراضيها من الدول الكبرى ،
وعلى رأسها الصين على سبيل المثال .
امبراطورية السعودية والتحول فى الفكر السياسى
وبدت الإمبراطورية السعودية ، تغدو لأفق جديدة ، بعد أن
حققت ما تصبوا إليه فى المجال الاقتصادى وما تتطلع إلى تحقيقه مستقبلاً فى هذا
الشأن ، وأخذت تتحول بصورة مذهلة فى الأفكار السياسية والتعامل مع الملفات الشائكة
، بعقول تضاهى أعتى مخابرات العالم ، بل وظهرت وكأنها تلاعب الدول الكبرى ،
وتوجههم كما تشاء.
فبدأت المملكة السعودية ، رحلة غلق الملفات الملتهبة
التى تسبب لها إزعاج ، ومن شأنها أن تعرقل أى نظرة للمستقبل الاقتصادى ، وعلى رأس
تلك الملفات بالطبع ، الملف اليمنى ، الذى كان يمثل صداع فى رأس السلطة السعودية ،
واستهداف الحوثيين لبعض المؤسسات الاقتصادية الهامة بالسعودية ، وتمكنت من نزع
فتيل الأزمة مع المليشيات اليمنية ، عقب تقارب وجهات النظر بينها وبين إيران التى
تسيطر على الحوثيين باليمن ، ولم تكتفى السعودية
بالاتفاق بينها وبين الحوثيين فقط ، بل أصبحت لاعب أساسى لحل المشكلة
اليمنية من جذورها ، فى محاولة لإعادة اليمن إلى استقراره ، فى ظل الظروف الصعبة
التى يعيشها المواطن اليمنى ، من جراء تلك الصراعات المسلحة.
والصورة التى نشرتها وكالات الأنباء المختلفة ، والتى
جمعت ما بين السفير السعودى محمد آل الجابر مع على قرشة الزعيم الحوثى فى العاصمة
صنعاء ، والذى كانت المملكة تصنفه من قيادات الإرهاب فى العالم ، ورصدت مبالغ
كبيرة تصل إلى 5 ملايين دولار لمن يرشد عنه ، تؤكد أن الفكر السياسى للسعودية
والتعامل مع مثل هذه الملفات اتخذ منحنى آخر تماماً ، وتحولت السعودية من ضلع
رئيسى فى صراعات اليمن ، ودخلوها فى حرب بعملية عاصفة الحزم ، لتوطيد حكم الرئيس اليمنى وقتها عبد ربه هادى ، إلى
دولة تتدخل لحل الأزمة بين الأطراف المتصارعة فى الجنوب والشمال اليمنى ، وجهودها
لحل الأزمة تتواصل بصورة يومية لإنقاذ الشعب اليمنى.
وتمكنت السعودية من إنهاء الملف الإيرانى ، وحالة الصراع
التى بدت بين الدولتين منذ سبع سنوات ، وتوصل العدوين اللدودين إلى اتفاق أخيراً ،
لعقد مصالحة تحت راية الدولة الصينية ، وهو تصالح يحمل الكثير من الرؤية الخاصة
بمنطقة الشرق الأوسط بالكامل ، ويصيب الصهاينة بحالة من انعدام الوزن ، وبدأت
السعودية تفكر فى الملف السورى أيضاً ، بعد سنوات عجاف وقطيعة بين الأسد والدول
العربية ، وبدت تحاول إعادة سوريا لحضن الدول العربية ، لاسيما بعد أن سيطرة حكومة
الأسد على معظم الأراضى ، ورؤية المملكة بأن ترك سوريا وحيدة منفردة هكذا سيسمح
بتدخل الدول الغربية أكثر وأكثر فى الشأن السورى واحتلال أرضها تحت مزاعم واهية .
فالمملكة السعودية ، ترى أنه حان الأوان ، لإعادة الحياة
للمواطن السورى ، وأشار مسئولى المملكة فى أكثر من تصريح ، أن الحياة لن تعود
لسوريا إلا بالحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسيطرتها على الأرض السورية بالكامل
وطرد كل مليشيات الإرهاب منها ، وإعادة الهدوء والاستقرار لسوريا وشعبها ، ونجحت
السعودية أيضاً فى تقريب وجهات النظر بينها وبين أردوغان رئيس تركيا وحل الأزمة بين الدولتين ، التى وصلت بينهما
الآن إلى حد إصدار بيان مشترك يدعو لحل أزمة الصراعات فى اليمن والسودان ، وجاء
الملف القطرى الذى أغلقته السعودية هو الآخر ، بعدما نجحت مع مصر و الإمارات
والبحرين فى الاتفاق مع قطر، وإغلاق هذا الملف الذى ظل معلقاً لثلاث سنوات كاملة.
اللعب مع الكبار والملف النووى
القوة الاقتصادية التى حققتها السعودية ، وضعتها بالفعل
ضمن مصاف الدول العظمى ، وأخذت دور سياسى كبير فى حل النزاعات العالمية ، ودورها
كان ملموس فى اتفاق السلام الذى تم ما بين إريتريا وإثيوبيا عام 2018 الذي تم التوقيع عليه تحت رعاية خادم الحرمين
الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وبحضور ولى العهد
![]() |
نيتنياهو |
وقوة السعودية التى وصلت لها ، جعلتها لاعب رئيسى لحل الأزمات بين الدول الكبرى ، فى أوائل شهر أغسطس ، استضافة مدينة جدة السعودية ، المباحثات الخاصة بإيجاد حلول لوقف الحرب الروسية الأوكرانية ، والتى شارك بها ممثلون عن 40 دولة من بينها الولايات المتحدة والصين والهند ، وحرصت السعودية خلال هذا اللقاء بالحفاظ على علاقاتها مع كلاً من روسيا والصين ، وتعاملت مع الموقف بدبلوماسية محكمة فى محاولة لحل الأزمة
والقضية التى تبرز المكانة الكبرى التى وصلت إليها
المملكة السعودية ، خلال السنوات الأخيرة ، القضية المتعلقة بالملف النووى ، حيث
تطلع السعودية إلى انشاء برنامج نووى خاص بها ، لحماية مقدراتها الاقتصادية التى
وصلت إليها ، ووضعت السعودية العقدة فى المنشار ، بعدما طرحت شروطها على الجانب الأمريكى
، مقابل الانضمام إلى اتفاقية إبراهام ، الخاصة بالتطبيع مع إسرائيل ، حيث اشترط
السعودية ثلاثة شروط ، هى نفسها كانت على علم أنه من المستحيل أن توافق عليها
الولايات المتحدة وإسرائيل ، منها عمل برنامج نووى سعودى تحت رعاية الولايات
المتحدة وبتكنولوجية أمريكية ، ومدها بنفس نوعية الأسلحة التى تمنحها أمريكا
لإسرائيل ، وأخيراً عقد اتفاقية دفاع مشترك بينها وبين الولايات المتحدة
وهى شروط رفضتها أمريكا وإسرائيل ، لأن الولايات المتحدة
بالموافقة على انشاء برنامج نووى مع السعودية ، سوف تضع نفسها فى موقف محرج أمام
دول العالم ، عقب موقفها من البرنامج النووى الإيرانى ، والعقوبات الموقعه عليها ،
فضلاً عن خوف أمريكا من مطالبة الدول العربية الأخرى سواء من انضمت بالفعل
لاتفاقية إبراهام أو لم تنضم من مطالبتها بالمعاملة بالمثل ، وإنشاء برنامج نووى
على أرضها ، مما يساهم فى زيادة الخطر على إسرائيل بالمنطقة ، كما تخشى الولايات
المتحدة من ردة فعل الإيرانيين على هذه الخطوة ، لاسيما بعد تصريحات كبار مسئوليها ، التى هددوا من خلالها السعودية ، فى حال إنشاء هذا البرنامج النووى
، رغم اتفاقية الصلح التى عقدت مؤخراً بين الدولتين.
أما إسرائيل فتعتبر أن الموافقة على تلك الشروط ، كارثة
حقيقية لوجوده فى أمان بالمنطقة ، وطالبت الحكومة الإسرائيلية السعودية ، بأن
توافق على تنفيذ شرط واحد فقط ، وهو عقد اتفاقية دفاع مشترك مع الولايات المتحدة ،
والتنازل عن الشرطين الآخرين ، كما تخشى إسرائيل أن يتحول هذا البرنامج النووى بين
يوم وليلة من برنامج سلمى إلى برنامج عسكرى .
![]() |
بايدن |
ومع الرفض الواضح من الولايات المتحدة لشروط السعودية ،
ولاسيما شرط إنشاء برنامج نووى سلمى ، بدأت السعودية تلاعب أمريكا بورقة الصين ،
التى ظهرت فى الصورة ، عن طريق شركة " cnnc " أو المؤسسة الوطنية النووية الصينية
، والتى عرضت انشاء هذا المشروع النووى السعودى ، بتكلفة أقل ، بل ومنح السعودية
أسلحة صينية متطورة ، عقب التوقيع على عقد تنفيذ المشروع ، وترى السعودية أنه فى
حال تنفيذ المشروع من قبل الصينيين ، فلن يكون هناك أى ردة فعل من قبل إيران حليفة
الصين ، ولأن المشروع نفسه سيظل تحت الحماية الصينية لعشرات السنين ، أضف إلى ذلك
أن هناك شركات صينية بالفعل تنقب عن اليورانيوم فى الصحراء السعودية ، وهى المادة
التى تستخدم فى مشروعات البرنامج النووى.
وتنفيذ هذا الاتفاق الصينى السعودى ، يعد كارثة كبرى
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ، وسيضع الرئيس الأمريكى بايدن فى
موقف صعب للغاية خلال الانتخابات القادمة مع بداية عام 2024 ، لاسيما وأن بايدن
يعلم علم اليقين ، أن السعودية على بعد خطوات من الانضمام لمجموعة البيركس
الاقتصادية ، التى تضم الصين وسوريا ، وبذلك تفقد الولايات المتحدة ، رويداً
رويداً أهم حليف لها بالشرق الأوسط ، لذلك يعول بايدن على اجتماع دول العشرين
القادم المقرر عقده فى الهند ، لعقد جلسة مع ولى العهد السعودى ، لحل كل هذه
الأزمات ، لأن القضية هنا أصبحت قضية مستقبل بايدن نفسه فى صراعه على كرسى الرئاسة
الأمريكى ، لاسيما وأن معظم الصراعات السياسية لبايدن خلال الفترة الأخيرة خسرها
أمام الدب الروسى